محمد بن جرير الطبري

566

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

يقول : فهل أنتم منتهون عن شرب هذه ، والمياسرة بهذا ، ( 1 ) وعاملون بما أمركم به ربُّكم من أداء ما فرَض عليكم من الصلاة لأوقاتها ، ولزوم ذكره الذي به نُجْح طلباتكم في عاجل دنياكم وآخرتكم ؟ . * * * واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية . فقال بعضهم : نزلت بسبب كان من عمر بن الخطاب ، وهو أنه ذكر مكروهَ عاقبة شربها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأل الله تحر يمَها . ( 2 ) ذكر من قال ذلك : 12512 - حدثنا هناد بن السريّ ، قال ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة قال ، قال عمر : اللهمّ بيِّنْ لنا في الخمر بيانًا شافيًا ! قال : فنزلت الآية التي في " البقرة " : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) ، [ سورة البقرة : 219 ] . قال : فدُعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا ! فنزلت الآية التي في " النساء " : ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) [ سورة النساء : 43 ] . قال : وكان مُنَادِي النبي صلى الله عليه وسلم يُنادي إذا حضرت الصلاة : لا يقربنّ الصلاة السكران ! قال : فدُعِي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا ! قال : فنزلت الآية التي في " المائدة " : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ " إلى قوله : " فهل أنتم منتهون " . فلما انتهى إلى قوله : " فهل أنتم منتهون " قال عمر : انتهينا انتهينا ! ! ( 3 )

--> ( 1 ) انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف 482 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك . ( 2 ) انظر ما سلف في تحريم الخمر 4 : 330 - 336 / 8 : 376 ، 377 . ( 3 ) الأثر : 12512 - " أبو ميسرة " هو : " عمرو بن شرحبيل الهمداني " ، سمع عمر ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهما من الصحابة . مضى برقم : 2839 ، 2840 ، 9228 . وهذا الخبر رواه أبو جعفر من خمس طرق ، عن أبي إسحق ، عن أبي ميسرة . ورواه أحمد في مسنده رقم : 378 من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحق ، بمثله ، وأبو داود في سننه 3 : 444 رقم : 3670 ، بمثله ، وفيه : " بيانًا شفاء " . والنسائي في سننه 8 : 286 ، 287 ، بمثله . والترمذي في سننه في كتاب التفسير من طريق محمد بن يوسف ، عن إسرائيل ، مرفوعًا ، ثم من طريق أبي كريب محمد بن العلاء ، عن وكيع . عن إسرائيل ، مرسلا . ولكن جاء هنا في رواية هناد بن السري ، عن وكيع ، مرفوعًا . وقال الترمذي بعد ذكر رواية أبي كريب : " وهذا أصح من حديث محمد بن يوسف " ، يعني أنه أصح مرسلا . وانظر ما سيأتي في باقي التخريج . ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 278 ، من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل بمثله ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي . ورواه البيهقي في السنن 8 : 285 ، من طريق عبيد الله بن موسى أيضًا ، ومن طريق إسماعيل بن جعفر ، عن إسرائيل ، بمثله . ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ : 39 ، من طريق محمد بن يوسف ، عن إسرائيل ، ( كطريق الترمذي ) وفيه زيادة : " فإنها تذهب العقل والمال " ، الآتية في رقم : 12513 ، وليس في رواية الترمذي . ورواه الواحدي في أسباب النزول : 154 ، من طريق أحمد بن حنبل ، عن خلف بن وليد ، عن إسرائيل ، بمثل ما في المسند . وخرجه ابن كثير في تفسيره 1 : 499 ، 500 / ثم 3 : 225 ، وقد صحح أخي السيد أحمد هذا الحديث في المسند رقم : 378 ، ثم قال : " وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 499 ، 500 / 3 : 226 وقال : هكذا رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، من طرق عن أبي إسحق . وكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه من طريق الثوري ، عن أبي إسحق ، عن أبي ميسرة ، واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي ، عن عمر ، وليس له عنه سواه . ولكن قال أبو زرعة : لم يسمع منه . والله أعلم . وقال علي بن المديني : " هذا إسناد صالح صحيح . وصححه الترمذي . وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله : انتهينا - إنها تذهب المال وتذهب العقل " . قال أخي السيد أحمد : " وقول أبي زرعة أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر ، لا أجد له وجهًا . فإن أبا ميسرة لم يذكر بتدليس ، وهو تابعي قديم مخضرم ، مات سنة 63 . وفي طبقات ابن سعد 6 : 73 ، عن أبي إسحق قال : أوصى أبو ميسرة أخاه الأرقم : لا تؤذن بي أحدًا من الناس ، وليصل علي شريح قاضي المسلمين وإمامهم = وشريح الكندي ، استقضاه عمر على الكوفة ، وأقام على القضاء ستين سنة ، فأبو ميسرة أقدم منه " . أقول : ولم يذكر أحد غير أبي زرعة فيما بحثت ، أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر ، بل كلهم ذكر سماعه من عمر .